القصيدة الأندلسية في القرن الثامن الهجري

القصيدة الأندلسية خلال القرن الثامن الهجري -الظواهر والقضايا والأبنية

  تعليق :مصطفى الغديري

مجلة دعوة الحق العدد 358 محرم-صفر 1422/ مارس-أبريل 2001

في كل آونة وحين تظهر نفائس جديدة من تراث « الفردوس المفقود»، ودراسات جادة تقربنا من هذا التراث الزاخر.
وإذا ألقينا نظرة على هذه النفائس، وتلك الدراسات وجدنا أغلبها، إن لم نقل جلها، قد استخرج من ذخائر خزانات البلدان المغربية، لكن تحقيقها ودراستها من ذخائر خزانات البلدان المغربية، لكن تحقيقها ودراستها شارك فيها الناطقون بلغة الضاد من مختلف الأقطار العربية وإسبانيا، ممثلة في ثلة من أبنائها الباحثين في التراث المغربي والأندلسي، وهو عمل مشروع وسعي مشكور، لأن إحياء تراث الأندلس أمر موكول إلى كل أبناء الأمة الإسلامية بالإضافة إلى أبناء الأندلس بعد أن تنكرت بلادهم لماضيها الإسلامي.
وفي هذا السياق ظهرت دراسة جادة بعنوان: « القصيدة الأندلسية في القرن الثامن الهجري: الظواهر والقضايا والأبنية» للدكتور عبد الحميد عبد الله الهرامة(1) وهو باحث جاد ومتمرس على تحقيق تراث الأندلس ودراسته منذ مدة طويلة. فعمله هذا جاء خلاصة لإنجازاته وعطاءاته المتعددة في هذا الميدان.(2)
والعمل في أصله أطروحة لنيل دكتوراه الدولة من جامعة عبد المالك السعدي بتطوان في بحر سنة 1994 م تحت إشراف د. حسن الوراكلي وناقشته لجنة مكونة من خيرة علماء المغرب المختصين في الدراسات الأندلسية والمغربية،(3) فنال صاحبها درجة دكتوراه الدولة بميزة « حسن جدا».
وجاء هذا الكتاب في جزءين ضخمين عدتهما تسع وتسعون وتسع مائة صفحة من القطع المتوسطة. خص الجزء الأول لظواهر القصيدة الأندلسية في القرن الثامن الهجري وقضاياها الوضوعية، مقدما لها بمدخل عام عالج فيه وضعية« مملكة غرناطة» في هذا القرن وإنتاج شعرائها في هذه المرحلة التاريخية، ثم الدراسات السابقة التي أضاءت الطريق أمام الباحث، استعراضا ونقدا. كما عرف بالمصادر الأدبية لهذه الفترة مطبوعها ومخطوطها.
إثر ذلك جاء الباب الأول  لدراسة الظواهر البارزة للشعر الأندلسي في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ الأندلس. وهذا الباب تفرع إلى أربعة فصول، تناول فيها ظاهرة التوثيق وظاهرة الصراع الفكري والمجاراة فالمدائح.
وكانت حصيلة هذا الباب وفصوله الأربعة ستة عشر مبحثا وأربعا وثلاثين مقالة أو فقرة، عالج فيها أهم القضايا الجزئية التي تنضوي تحت عنوان الباب وفصوله.
والباب الثاني خصه لأهم القضايا التي عالجتها القصيدة الأندلسية، فجا كسابقة مفرعا إلى أربعة فصول، درس فيها قضية الصراع الإسلامي النصراني، وقضية الوطن والدين ثم قضية النصح. فتضمن هذا الباب وفصوله أربعة عشر مبحثا واثنين وعشرين مقالة أو فقرة.
أما الجزء الثاني من الكتاب فقد جعله المؤلف وقفا على الأبنية الفنية للشعر الأندلسي، في القرن الثامن الهجري، وجعله بابا متفرعا إلى أربعة فصول، عالج فيها مفهوم الشعر والبنية الهيكلية للقصيدة، ثم البنية الإيقاعية فالبنية الأسلوبية، وهو باب ضخم في مضمونه وواسع في مباحثه وتفريعاته، وهو تفريع له مبرراته ومسوغاته بينها الباحث في مقدمة الكتاب(4).
وجاءت الخاتمة، بعد ذلك، لتلخص أهم النتائج التي حققتها الدراسة والآفاق التي تفتحها في وجه الدارسين لتراث الأندلس الشعري في هذا القرن.
وعقب ذلك ذيلت الدراسة بملحق استدراكي على جملة من دواوين شعراء القرن الثامن، من مثل ديوان ابن الخطيب وديوان انب خاتمة وديوان أبي حيان الجياني وديوان يوسف الثالث، وهو ما يمثل ثمانية عشر نصا شعريا لم ترد في هذه الدواوين المطبوعة.
أما فهارس المصادر والمراجع فهي أيضا من ا لعناصر البارزة في جودة هذه الدراسة، إذ ضمت ما يزيد على مائتين وخمسين مصدرا ومرجعا بين مخطوط ومرقون ومطبوع، العربي منه والعجمي، فضلا عن الدوريات والمجلات التي اكتفى الباحث بالإشارة إليها في الهوامش والطرر.
إن قارئ هذا العمل العلمي سيقف، بدون شك، مشدودا إلى جدية مؤلفه وجودة بحثه أسلوبا ومضمونا ومنهج معالجة قضايا الشعر الأندلسي في القرن الثامن الهجري الذي بعد، عند الباحثين في التراث الأندلسي، قرن « الرولدف والرواجف» في تاريخ دولة الإسلام بالأندلس.
وأهمية هذا العمل العلمي الرزين لا تتسع هذه المقالة لحصرها، ولكن يمكن تلخيصها في النقط الآتية:
أولا: إن أكثر النصوص الشعرية التي استغلها الباحث في دراسته استخرجها من مصادر شبه مدفونة ومقالع غائرة، ليس من السهل الوصول إليها. لذلك كان الباحث موزعا- في عمله هذا- بين استخراج النصوص من المخطوطات المختلفة ثم قراءتها وتحقيقها، وبين تصنيفها ودراستها.
ثانيا: تجشم الباحث مشاق السفر لمعاينة المصادر المخطوطة في مختلف الخزانات العامة والخاصة، العربية منها والأجنبية، قصد استثمار محتواها الشعري في هذه الدراسة. بالإضافة إلى مشقة القراءة في كثير منها لاسيما تلك التي أتت عليها الأرضة وعانيات الزمن. الأمر الذي جعله- في كثير من الحيان- لا يقنع برواية واحدة لكافة النصوص التي استثمرها في بحثه، وإنما يبحث عن نظائر المخطوطات التي وقف عليها ليتأكد من سلامة النصوص وصحتها عن طريق المقابلة والموازنة.
ثالثا: تتجلى هذه الدراسة في كثرة النصوص التي حققها الباحث واستخرجها لتظهر لأول مرة على صفحات الدرس، ويتمثل ذلك في ما استخرجه من ديوان« البقية والمدرك من شعر ابن زمرك»، و « ديوان أبي الحسن بن الجياب»، وديوان:« شذور الذهب لأبي الحسن علي بن موسى بن أرفع رأس، و« روضة الإعلام لابن الأزرق»، و« أشعار ابن شليطور الهاشمي»، و« مزاين القصر ومحاسن العصر لابن الحاج النميري..» وغيرها من المؤلفات المخطوطة، بالإضافة إلى النصوص الشعرية الأندلسية الشاردة في مختلف المصادر المطبوعة.
رابعا: تتجلى جدية الباحث وإخلاصه لعمله في ضبطه وشكله كل النصوص الشعرية التي استثمرها، وهو عمل لا يقدر أهميته إلا من عانى من قراءة النصوص المخطوطة.
 خامسا:  تتضح مزايا هذا العمل أنه أحاط بالشعر الأندلسي في القرن الثامن الهجري إحاطة شمولية، واستقصى جميع الجوانب التي عالجها الشعراء في هذا القرن الذي مازالت تكتنفه كثير من الغموض، نظرا إلى المرحلة التاريخية الصعبة التي واجهتها الأندلس خلال حكم« بني نصر». كما أن أكثر المصادر التاريخية والأدبية لهذه المرحلة لم صل إلينا إلا أسماؤها في مصادر أخرى.
سادسا: لست في حاجة إلى إبراز أهمية مصادر الدراسة ومراجعها، فهي تستمد غناها من بعد مظانها وتشتت أصولها في مختلف الخزانات العالمية، مما كلف الباحث مشقة كبرى في الوصول إليها وجمع شتاتها ثم مقارنة رواياتها وترميم خرومها وضبط كلماتها وشرح معانيها وتصويب الكثير منها من التصحيف والتحريف قبل أن يقدم على استثمارها في الدراسة.
سابعا: تتجلى أهمية هذا البحث، أيضا، في منهاج دراسته، وقد عبر عن ذلك صاحبه بقوله:« واستلزمت جوانب البحث في مراحله المختلفة عددا من المناهج لدراسة المادة الشعرية إحصائيا وتاريخيا ووصفيا…
فالاقتصار على أي منها يعود سلبا على بعض تلك الجوانب، ولذا فقد استدعى ذلك بلورتها في المنهج التكاملي الذي يمكنه الإيفاء بتلك المتطلبات على اختلاف جوانبها وتعدد مراحل تنفيذها(4).
وأخير فإن هذه الدراسة تستمد أهميتها وجديتها من اللجنة العلمية التي أجازتها ومنحتها أعلى درجة علمية تمنحها الجامعات، وهي لجنة ضمت خيرة الباحثين المغاربة المختصين في الدراسات الأدبية الأندلسية المغربية، ومن بينهم عمداء هذا التخصص من أمثال: الدكتور محمد بن شريفة والدكتور عبد السلام الهراس والدكتور عباس الجراري وغيرهم…
وخلاصة القول أن هذه الدراسة المتميزة جاءت لتغني الخزانة الأندلسية وتسد الفراغ الذي كان يشكل، إلى عهد قريب، حلقة مفقودة في الدرس الأدبي الأندلسي خلال القرن الثامن الهجري

(*)  غاية هذه المقالة التعريف بهذه الدراسة القيمة ووصف محتوياتها.
(1) قامت بطبع هذه الدراسة كلية الدعوة الإسلامية بطرابلس- ليبيا سنة 1996 في جزءين.
(2) قائمة بأسماء أعضاء اللجنة العلمية في ج1/7.
(3) للباحث عدة مؤلفات وبحوث كلها تعالج قضايا الأدب الأندلسي.
(4) انظر:1/16.

About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s